عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

161

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي » « 1 » فكذلك لا يمكنه التمثل بصورة الشيخ فيبقى المريد محفوظا . وإذا تعلق المريد بشيخه على هذا الشرط وجب عليه أن يتيقن أيضا أن روحانية الشيخ غير متحيزة وكل ما لا يكون متحيزا يستوى إليه نسب الأمكنة كلها ففي أي موضع يكون المريد لا تفارقه روحانية الشيخ وإن كانت تفارقه شخصيته والبعد إنما يتعلق بالمريد . فإذا تذكر المريد تقلبه عن الشيخ قرب إليه فيتعلق إليه قلبه واستفاد منه وهذه الاستفادة يطلع عليها المريد في أوقات ثلاثة : أحدهما : أوان ما يريه اللّه تعالى شيئا من آياته فيشاهده بعين القلب ولا يقف على حقيقة معناه ، فيحتاج إلى الشيخ ليحل واقعته ، فيستحضر الشيخ بقلبه ويسأله عن حقيقة معنى الصورة المشاهدة لا باللسان الظاهر بل بلسان القلب ، فيلهمه روح الشيخ بحقيقة معنى الواقعة وفحواها عقيب السؤال ، وإنما يتيسر له الاستحضار بواسطة ربط القلب به ، ومن هذا الوجه يفصح له لسان القلب وينفتح له طريق القلب إلى الحق انفتاحا يجعله محدثا . قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « قد كان في الأمم محدثون ، فإن كان في هذه الأمة فعمر بن الخطاب » « 2 » - رضي اللّه عنه - . وثانيهما : عندما يقصده الشيطان ، إما ظاهرا من حيث الصورة وإما أن يلقي في قلبه الرعب من غير أن يظهر نفسه ، ففي هاتين الحالتين ، إذا تذكر عن الشيخ واستعاذ به كالطفل إذا استعاذ بوالديه عند رؤية شيء خاف منه أو يجري اسمه على اللسان فيشاهد اضمحلال صورة الشيطان عند ذكر اسمه وزوال الخوف والرعب من قلبه وبطلان كيد الشيطان . وثالثهما : إذا استعد المريد لفيضان أنوار الغيب عليه وتوجه الواردات إليه وجدّ في المجاهدة ربما يبلغ أمره إلى أن يفيض عليه الوقت أكثر عن مقدار قوته وتحمله ، فإذا زاد عن استطاعته يعجز عن قبول الواردات ، ولا يمكن أن يقول قائل : إنا قد رأينا المشايخ استفادوا من غير شيخ واحد مثل أبي عثمان الحيري ، فإنه كان في الابتداء

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الرؤيا ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من رآني . . . ، حديث رقم ( 10 - 2266 ) . ورواه الترمذي ، كتاب الرؤيا ، باب ( 4 ) حديث رقم ( 2276 ) . ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر رضي اللّه عنه ، حديث رقم ( 23 - 2398 ) . وأخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم باب مناقب عمر بن الخطاب . . . ، حديث رقم ( 3689 ) . ونصه عند البخاري « لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر » .